الشيخ محمد رشيد رضا
336
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المصدري للمكر . والجملة تتمة الجواب الذي لقنه اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بناء على أنه يبلغه عنه عز وجل بلفظه الوحي اليه لا بمعناه ، ولذلك يدخل في التبليغ لفظ ( قل ) وهو خطاب اللّه له صلّى اللّه عليه وسلّم مع مقولة الخاص بهم كقوله ( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) وأمثاله الكثيرة في القرآن ، بل أقول إنه صلّى اللّه عليه وسلّم بلغهم الآية برمتها : ما حكاه تعالى عنهم وما امره ان يجيبهم به ، وقد يكون ذلك في ضمن السورة كلها لا وحده ، ومثل هذا يقال في أمثاله . فعلم بهذا أنه ليس المراد ان يقول صلّى اللّه عليه وسلّم لهم كلمة « اللّه اسرع مكرا » من قبل نفسه فيستشكل الالتفات فيها عن الغيبة إلى التكلم في « إِنَّ رُسُلَنا » بل هو جار على سنة القرآن فيه ، وهو أبلغ في تصوير تسخير اللّه تعالى للملائكة في كتابة الاعمال من التعبير بضمير الغيبة ( ان رسله يكتبون ) الخ لان في ضمير الجمع من تصوير العظمة في هذا التدبير العظيم ، والنظام الدقيق ، ما يشعر به كل من له ذوق في هذه اللغة سيدة اللغات ، التي اعترف علماء اللغات من الإفرنج بأنها تفوق جميع لغاتهم ، في التعبير عن صفات اللّه تعالى وكماله وعظمته « 1 » ومثل هذا الالتفات فيها قوله تعالى في آخر سورة الكهف ( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً ) وقرأ نافع ويعقوب [ يمكرون ] بالمثناة التحنية وفائدته الاعلام بأن ذلك شامل للغائبين كالحاضرين وقد فصلنا القول في كتابة الملائكة الحفظة لاعمال الناس وحكمتها في تفسير ( 6 : 61 وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ) من سورة الأنعام وشرحنا قبلها مسألة كتابة مقادير الخلق كلها في تفسير الآية ( 59 وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ) منها فيراجع الموضوع كله في جزء التفسير السابع من شاء ، ومن اكتفى بالاجمال فحسبه الايمان بأن الملائكة تكتب الاعمال كتابة غيبية لم يكلفنا اللّه تعالى معرفة صفتها ، وانما كلفنا أن نؤمن بأن له نظاما حكيما في إحصائها ، لأجل مراقبنا له فيها ، لنلتزم الحق والعدل والخير ونجتنب أضدادها
--> ( 1 ) تراجع الشواهد على هذا في مقدمة كتابنا ( الوحي المحمدي )